السيد الطباطبائي
279
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
نوع والنظم والترتيب الّذي هو مستقرّ في أشخاص الأنواع يصدّق ذلك ، فإذا تأمّلنا في شيء من ذلك وجدنا مصالح ومنافع في خلقه ، نقضي منها عجبا [ 1 ] ، وكلّما أمعنّا وتعمّقنا فيه بدت لنا منافع جديدة وروابط عجيبة تدهش اللبّ وتكشف عن دقّة الأمر وإتقان الصنع . وما تقدّم من البيان جار في العلل العالية والعقول المجرّدة الّتي ذواتها تامّة ووجوداتها كاملة ، منزّهة عن القوّة والاستعداد ، فليس صدور أفعالها منها لغرض وغاية تعود إليها من أفعالها ، ولم تكن حاصلة لها قبل الفعل لفرض تمام ذواتها ، فغايتها في فعلها ذواتها الّتي هي أظلال لذات الواجب تعالى ، وبالحقيقة غايتها في فعلها الواجب عزّ اسمه . ويظهر ممّا تقدّم أنّ النظام الجاري في الخلقة أتقن نظام وأحكمه ، لأنّه رقيقة العلم الّذي لا سبيل للضعف والفتور إليه بوجه من الوجوه . توضيحه : أنّ عوالم الوجود الكلّيّة - على ما سبقت إليها الإشارة [ 2 ] - ثلاثة عوالم ، لا رابع لها عقلا ، فإنّها إمّا وجود فيه وصمة القوّة والاستعداد لا اجتماع لكمالاته الأوّليّة والثانويّة الممكنة في أوّل كينونته [ 3 ] وإمّا وجود تجتمع كمالاته الأوّليّة والثانويّة الممكنة في أوّل كينونته ، فلا يتصوّر فيه طروّ شيء من الكمال بعد ما لم يكن . والأوّل « عالم المادّة والقوّة » والثاني إمّا أن يكون مجرّدا من المادّة دون آثارها من كيف وكمّ وسائر الأعراض الطارية للأجسام المادّيّة ، وإمّا أن يكون عاريا من المادّة وآثار المادّة جميعا . والأوّل « عالم المثال » والثاني « عالم العقل » .
--> ( 1 ) أي : تتعجّب منها غاية التعجّب . ( 2 ) راجع الفرع الثالث من الفروع المذكورة في الفصل الثالث من المرحلة الحادية عشرة . ( 3 ) والمراد من الكمالات الأوّليّة هي الكمالات الذاتيّة كالجوهريّة والنموّ والنطق ، ومن الكمالات الثانية هي الكمالات العرضيّة كاللون والريح وغيرهما .